“مجال عام”، مُبادرة مُستقلة لتعزيز حرية التَّعبير في العراق والعالم العربي. حيز رقمي آمن لتداول الأفكار والآراء والنِّقاشات الموجهة الى المجالات العامة الوطنية التي تفتقر الى منابر حيوية مُستقلة، وتكون مملوكة غالباً أو يتم التًّحكم بها من قبل سُلطات وجماعات تعمل على تغذية الفضاءات الوطنية بسردياتها المُضللة وانحيازاتها الطائفية والعرقية. لذا تحاول “مجال عام” أن تكون مساحة التَّفكير والتَّعبير للأفراد العاديين الذين يمتلكون قدرة على الكتابة، المثقفون ومنتجو المعرفة، الاكاديميون، النشطاء بمختلف توجهاتهم السِّلمية، الجَّماعات النقابية، جماعات المدافعة والمناصرة، الصحافيون، الفنانون الذين ينتجون اعمالاً ابداعية على صلة بالقضايا العامة.

“مجال عام” عبر منصتها الالكترونية، تُتيح الفرص العادلة لنشر الأفكار و الآراء والتعليقات والمحتوى والتقارير الاستقصائية والابحاث و أوراق تقدير الموقف، ما يتعلق بالسِّياسات العامة والاجندات الحكومية وغير الحكومية، والأحداث والقضايا ذات التأثير المباشر على المجتمع والنَّاس. بمعنى؛ “مجال عام” تكون المساحة الآمنة التي يلجأ إليها الفاعلون والنشطاء والكُتاب والأفراد بدون أي تمييز طبقي او اجتماعي او جندري او طائفي او عرقي لنشر مواقفهم ونتاجاتهم بحرية وشفافية.

لا تُمثل المنصة الالكترونية لمبادرة “مجال عام” موقعاً إخبارياً بحتاً، بل مجالاً رقمياً حُراً يسمح للأفكار والآراء العامة، المعارضة والمعتدلة، بالتَّدفق الى الجمهور دون عوائق، أو رقابة سياسية، أو وصاية سلطوية، أو ابتزاز أيديولوجي، أو محاولات احتواء وتأطير. مع الحفاظ على القيَّم المهنية والاخلاقية، بأن لا يتحول سقف حرية التعبير في “مجال عام” الى ذريعة أو غطاء ذريعة للتحريض على العنف أو الإيذاء أو الكراهية. 

تلتزم “مجال عام” بقناعة واضحة بأن حُرية التعبير والكتابة والنَّشر مسؤولية اخلاقية ومهنية جسيمة. لذا تلتزم المنصة المبادرة والمنصة الالكترونية، بقواعد وأخلاقيات النشر، بحقوق الملكية الفكرية ورُخص المشاع الإبداعي، بحماية الخصوصية، رفض التَّشهير والتَّنمر والانتقاص من كرامة الأفراد والمجتمعات، أو الاستيلاء على المحتوى من دون إسناده إلى مصادره. كما تلتزم بشجاعة إتاحة حق الرَّد والتَّعليق والتَّصحيح، إيماناً بأنَّ المجال العام الحيوي الذي نسعى الى ترسيخه لا يُبنى بإسكات الاختلاف، بل بشجاعة المسؤولية والشَّفافية والحق المتكافئ في التَّعبير.

في المقابل، لا تؤمن “مجال عام” بـ“الحياد” بوصفه صمتاً إزاء التجاوزات، ولا مع “المهنية” باعتبارها مسافة آمنة من قضايا الشَّأن العام؛ بل تلتزم بكشف ممارسات الفساد، تتبع مسارات نهب المال العام والثروات الوطنية، كشف شبكات المصالح والنفوذ، العلاقات المُستترة التي تربط صُناع القرار ومُدمني السُلطة بالمصالح الاقتصادية ومراكز القوة. لذا “مجال عام” لا تتبنى البيانات الرسمية والخطابات الحكومية بوصفها حقائق نهائية، بل بوصفها ادعاءات تخضع للفحص والتدقيق والمقارنة والاختبار.

“مجال عام” تسعى إلى ترسيخ خطاب نقدي يضع السرديات الحكومية والسلطوية موضع المساءلة والمراجعة والتشكيك، يفكك مضامينها، ويدقق ادعاءاتها ومعلوماتها، ويقارنها بالوقائع والأدلة المتاحة، بما يُقدم سردية مُتحقق منها للجمهور العام، وتمكين الناس من الوصول إلى معرفة أكثر دقة واستقلالاً، وتساعدهم على قراءة التَّحولات التي تمس حياتهم وحقوقهم ومصالحهم. لذا “مجال عام” مساحةً مُنحازة الى حق النَّاس في المعرفة والمساءلة والمحاسبة وإدارة السُلطة والموارد العامة.

“مجال عام” تسعى الى نظرية تغيير؛ إبدال الهيمنة عبر حيز آمن دون إقصاء أو رقابة. تمكين الأفراد والجماعات من التَّعبير الآمن لا يعني فقط حماية حقوقهم الأساسية، بل يطلق أيضاً طاقاتهم الإبداعية والمعرفية في خدمة الشأن العام. حين يشعر النَّاس بقدرتهم على التَّعبير بحرية، يصبحون أكثر انخراطاً في قضاياهم، وأكثر استعداداً للمساهمة في الحلول، مما يعزز قوة المجتمع المدني والاهلي، ويخلق نقاشاً وطنياً صحياً يُمهد للإصلاحات والتَّغيير السلمي. 

“مجال عام”، المبادرة والمنصة، تسعيان إلى توفير إحداث تحول ثقافي اجتماعي طويل الأمد، حيث يشعر كل مواطن أن له صوتاً مسموعاً، وأن الحوار والنقاش هما الطريق لبناء مجتمع عادل، متماسك، وديمقراطي، يعترف بجميع أصوات مواطنيه. 

نظرية التغيير التي تؤمن بها “مجال عام”، تعتبر اساسية في سبيل اعادة بناء الدَّولة وهياكلها التنفيذية والتشريعية والقضائية والأمنية على نحو محوكم وقانوني وخاضع للمساءلة والشفافية، عبر تمكين حق الجمهور في رسم السياسات العامة ومراقبتها، فضلاً عن حقه في الوصول الى المعلومات بما يجعله مطلعاً وقادراً على الدفاع عن مصالحه.

في ظل التحديات التي يواجهها المجال العام في العراق والعالم العربي، بما في ذلك القيود على حرية التعبير والرَّفض السِّلمي، مع شيوع انتشار المعلومات المزيفة، او ذات الاتجاه الواحد المنتجة من قبل الهياكل الحكومية، او المعلومات المضللة ذات البعد الحزبي والحكومي، والتي تُنتج لخدمة صراع الجماعات السياسية بعيداً عن المصلحة العامة، اضافة الى ضعف استقلالية وعدم تنوع وسائل الإعلام المحايدة والمستقلة، تأتي الحاجة الملحة لـــــ“مجال عام”، كمنصة معرفية مستقلة، تُعزز من حرية الرَّأي وممارسة حرية الرَّفض والتَّعبير كشكل من اشكال الحراك الاجتماعي السِّلمي، بما في ذلك دعم الصحافة الحرة والتحقيقات الاستقصائية الهادفة، التحليلات المُستنيرة، الاوراق البحثية والسياساتية، دفترة الحاضر واعادة التفكير بالتاريخ، نقل المعرفة والمعلومات الى الجمهور ليستقوي على التضليل. بالتالي تعمل ”مجال عام” على انتاج محتوى فاعل وحيوي ومنصف، بناءً على القيّم التالية: 

  1. إشراك الجمهور في النقاش العام، ما يعزّز عمليّة المساءلة والشفافية وحق الوصول وتداول المعلومة، عبر إنتاج محتوى نقدي بمقاربات محليّة ووطنية.
  2. إنتاج ونشر التقارير والتحقيقات الاستقصائية بشكل مستقل، او بالتعاون مع صحافيين أو مؤسسات، على نحو منهجي ومعرفي بدمج الأدوات الصحفية مع أدوات العلوم الاجتماعية، على نحو يوفر للمجتمع العام فهماً أعمق للقضايا، ووصولاً سهلاً وشفافاً الى المعلومات والتفاصيل، وقدرة على تشكيل رأي مستقل موجه نحو تعزيز اجراءات المسائلة، وتعزيز شبكات الحشد والمناصرة، مع  توخي المصداقية والاستقلالية والمسؤولية الاخلاقية واللغة الواضحة والبيانات السَّليمة. 
  3. تسليط الضوء على الفئات والقضايا الأكثر تهميشاً، التي غالباً ما تتعرّض للإقصاء والوصم، وتُستبعد عادةً من الخطاب العام وتتعرّض للتمييز، ولا تحظى بتغطية وسائل الإعلام التقليدية الحكومية او الهياكل السياسية والحزبية، او حتى من المنافذ المستقلة التي لا تمتلك الجرأة لتغطية مثل هكذا قضايا.
  4. الإلتزام ببروتوكولات التَّحقق من المعلومات والمصادر من اجل ضمان الدِّقة والمسؤولية، ومكافحة التَّضليل. 
  5. تعزيز الحريات العامة والخاصة، ومساحات الحرية الجندرية والجنسانية والتَّعبير القائم على النوع الاجتماعي، وضمان المساواة الاجتماعية والمواطنية. 
  6. دعم قيم العدالة الاجتماعية والمساءلة وترسيخ الفصل بين السلطات.
  7. دعم حقوق الأفراد والمجتمعات من جميع الأعراق والأعمار والطبقات ضدّ كافة أشكال التمييز والقمع والتمييز التي تطالهم او تمس قضاياهم.
  8. المبادرة تدعم تحولاً ضرورياً منهجياً لهوية الدولة والهياكل التنفيذية والحراك الاجتماعي من هويات قائمة على الانقسام الديني والطائفي والعرقي والمناطقي، إلى قيم المواطنة القائمة على هوية أكثر مدنية وعدالة اجتماعية وتوزيع رشيد للثروات، وإنتاج قوانين تُراعي مصالح العموم بما يُعزز فاعلية الاهلية والوطنية.
  9. السَّعي نحو تقليص الفجوة ما بين النُّخب البحثية والاكاديمية والثقافية ومنتجي المعرفة وبين المجتمع العام، بما يؤدي الى ادماجهم، الامر الذي سيُشعر العموم العراقي والعربي بوجود “رواد قضايا” و”ممثلي رأي عام”، ينخرطون على نحو فاعل وحيوي مع المظلومية الاجتماعية، ويعبرون عن القضايا ذات البعد الوطني. 
  10. تعزيز العدالة البيئية والاجتماعية، والدفاع عن الحريات النقابية والثقافية، بما في ذلك شبكات وجماعات المدافعة والمناصرة، وتحفيز المبادرات الاجتماعية، عبر إنتاج محتوى نقدي تحفيزي.
  11. السَّعي الى ان يكون المجتمع العام بجميع تمثلاته وتمايزاته وتنوعه واختلافاته هو “الجمهور المستهدف”، مع ايلاء التركيز والاهتمام على الفئات الشَّبابية، والهشة والضعيفة والمهشمة والتي لا تتمكن عادة بسبب القيود السُلطوية، من التعبير عن نفسها او الدفاع عن حقوقها او صياغة مظلوميتها ومطالباتها على نحو عادل ومنصف. 
  12. التعريف والدفاع عن الحريات الأساسية، والسَّعي لأن تكون “مجال عام”، مرصداً حيوياً لقياس حرية التعبير في البلاد، بما يحقق رصد الانتهاكات الرمزية والمادية ضد الافراد او الجماعات او الفئات المهمشة او المعارضين والمشتغلين في المساحة العامة، فضلاً عن رصد الانتهاكات والتجاوزات على الحريات الخاصة والعامة والقوانين، اضافة الى تعزيز ثقافة المسائلة العامة وتفعيل الممارسات والمطالبات العمومية لمكافحة الافلات من المحاسبة. 

التَّنمية الحقيقية لا تتحقق فقط بتعظيم الثروة ووفرة الموارد التي تمول الموازنة العامة او الاقتصاد السياسي فقط، بل بخلق مجتمع قادر على التفكير الحر والمشاركة الفعالة. ذلك ما يُمثل الثروة الوطنية الحقيقية. الأفراد حين يُمنحون مساحة آمنة، فإنهم لا يكتفون بمشاركة آرائهم، بل يساهمون في إنتاج أفكار وحلول مبتكرة للتحديات التي يواجهها بلدهم. “مجال عام” تستثمر في حرية النَّاس، ما يجعل أصوات المواطنين مورداً تنموياً فاعلاً يمكن البناء عليه في المسارات التغييرية والتَّنموية. في السِّياق العراقي والعربي، الكثير من الأفراد والجماعات يمتلكون أفكاراً ورؤى قيّمة، لكنهم يترددون في التَّعبير عنها خوفاً من الوصم الاجتماعي، الاستهداف السياسي، أو غياب المنابر المستقلة. خوفٌ يحرم المجتمع من ثروته الفكرية والابداعية ويُضعف قدرته على التفكير والمناقشة والانخراط في السياسات العامة.

لا يمكن لأي نظام ديمقراطي ناشئ أو راسخ أن ينمو ويزدهر ويستمر في غياب ساحة عامة للجمهور. التَّمكين الآمن يعزز الثقة بين المواطن والدَّولة، ويخلق فضاءً بديلاً عن الاستقطاب والانحياز السياسي والطائفي الذي يضعف المجتمع. “مجال عام” تُمثل الجذر الأساس لبناء نقاشات وطنية تعددية، حيث تتحول الاختلافات إلى قوة بناءة، بدلاً من كونها قوة انقسام. دعم هذه المُحصلة هو استثمار مباشر في استقرار المجتمعات وتعزيز خياراتها.

مجال عام.. النَّاس و أثرُهُم…