شرارة
اللُّغة المُجسَّمة.. مدخل جديد لقراءة محمود البريكان
تُوطِّن شعرية الرَّاحل محمود البريكان (1931–2000)، مُتلقيها منذ البدء على التَّفكير داخل النَّص، بموازاة سكك تأويل مُتعددة الطَّبقات، مفتوحة الزَّمن ولا تاريخانية. النَّص عنده لا يُقدَّم بوصفه وعاءً لغوياً أو أداءً تقنياً شعرياً فحسب، بل تركيبة خطابية – تفكيرية مُحكَمة تُنتج دلالتها من داخل بُنيتها وحداثتها الوظيفية.
اللَّغة، وهي الأداة المفتاحية للشَّاعر العراقي المُجدِّد، تَحوك وتُنتج نصَّاً تجسيدياً يُحيل التَّركيب والخطاب الى مُحاكاة، تبني المشهد المُصَّور المُصاغ وتُثريه. بمعنى إنها «لغة مُجسَّمة»، تبتكر لنفسها تقنية مُشبعة بضبط النَّص والمُفردة في حدودهما الدَّقيقة. في الوقت نفسه، تُنتج لنفسها خطوطاً غير مرئية، كلما أعُيدت القراءة وتوسَّع مجال التأويل والمُقاربة.
«اللُّغة المُجسَّمة»، يُعنى بها هُنا، تقنية الكتابة التي تُعيد انتاج اللُّغة المُجرَّدة بخفة صانع ماهر، والانتقال السَّلس من المعنى الى الصورة. لغة تشتغل فيها المُفردة كُمنتج كثيف يُعبر عن الاشياء/ الكائنات/ الامكنة/ الازمنة/ الحوادث، بما يمنحها الطَّاقة الحسّية والفضاء الدَّلالي في آنْ. لغة البريكان مُتراصَّة ومجْدولة، لا تنفصل عن بُنية النَّص الكُلية، ولا تُفكك الى لغة عائمة في بنيتها الجُملية. لغة ظاهراتية يُمكن أن تمنح قارئها “انطباعاً واهماً” بأنها “تقريرية ومُباشرة”، إذا ما حوكمت عبر القراءة المُتعجلة. لكنها سُرعان ما تنغلق، منطويةً على مساحات وإبعاد تفكير أعمق. بالقراءة المتأنية الواعية، تتفتح لغتهُ ببطء نسقاً تلو آخر؛ ما يجعل نص البريكان متدفقاً وحيوياً، يقف على حدود “المُباشرة” الأليفة، ومن تلك النقطة الظاهراتية الجَّامعة، يتفرع الى خطوطه التَّأويلية والدرامية والتَّفكيرية الأبعد.
تتأسس لغة البريكان كنظام مُركب حذر. تَتشَّكل بُنيته الصُلبة على قوة التَّماسك الجُملي، التَّوازن اللَّفظي، الوعي الدَّقيق بأبعاد كل مُفردةٍ داخل السِّياق، وما يُمكن إن تَستقبله وتَستوعبه التأويلات خارجه. لغة تَنشغل بالاحالات الدَّلالية التي قد تَنفتح على مفاتيح تأويلية، تُنقذ النَّص من الظاهراتية و”المباشرة”.
وفقاً لهذا المدخل الموجز، لغته – رغم انتمائها الشَّكلي إلى سياق لغوي مُحافظ -، تبدو حداثيةً في جوهرها التَّركيبي للجُملة الشِّعرية؛ تتحقق حداثتها لا عبر كسر المُعجم أو تفجير البُنية، اللُّغة، أو التَّهويم باتجاه اللَّامعنى الذي قد يُنتج معنى. بل عبر لغةٍ مُنضبطةٍ تُحافظ على أصالتها وحداثتها في الآن نفسه. حداثة أُنجزت في مختبر تفكير لغوي، الذي أنتج بدوره تَّراكيب نصية وجُملية قادرة على أداء وظيفة إيصال كثيفة، جعلت من “المُباشرة” نفسها إنجازاً أسلوبياً ناتجاً عن دقة الاختيار ونصاحة التَّفكير. بمعنى مُجاور تبسيط لا بساطة.
أيُّ مقاربة نقدية تحاول سحب نص البريكان من “قفاه اللغوي”، أو إخضاعه قسراً لقراءة إسقاطية تكتفي بما يمنحه النَّص ظاهراتياً، دون المضي الى الاعمق، إنما تخاطر بتشويه المقدرة الشِّعرية الرَّاكزة والمُحملة بالنضج التاريخي وآليات التَّفكير التي انتجتها. لغة وبُنية لا تقبلان الانفصال عن دلالتهما؛ بل دينامية لغوية تَنشغل بالتَّشخيص والتجسيد؛ “لغةٌ مُجسَّمةٌ”: لا بوصفها نسقاً دلالياً مُغلقاً أو أداة تواصل محايدة، بل باعتبارها مجال ظهور الكائنات وتجلّي وجودها داخل النَّص التي تُفعِّل رؤى المُتلقي وتأويلاته.
المُفردة عند البريكان لا تؤدي وظيفة إحالية فحسب، بل تُنتج معناها من داخل كثافتها التَّركيبية، ومن علاقتها التَّجسيدية بالأشياء، بما يضع تجربته الشِّعرية في تماس مع تصورات اكثر فاعلية. لغةٌ ترى في نفسها وسيطاً للانكشاف لا مجرد بُنية ظاهراتية شكلية؛ وسيطاً سيميائياً يتيح للكائنات أن تظهر في صورتها الأكثر كثافة. لغةٌ تكشف من خلال تقنياتها المُتمايزة من نصٍ الى آخر عن “حداثة وظيفية”: حيث التواصلية المباشرة تقابل اختيار المفردة الأكثر اشباعاً لطاقتها الحسية.
بهذا الاتجاه ايضاً، وضمن وظيفتها الحداثية، تؤطر لغةُ البريكان نفسها بـ”فاعلية” الإفصاح عن كينونة الأشياء ووجودها، أي بما هو أبعد عن ظاهرها المألوف. فاعلية تتقصى “إعادة تعريف” المعنى/ الأشياء/ الكائنات/ الامكنة/ الازمنة/ الحوادث، بوصفه مدخلاً أساسياً منفتحاً وأكثر ليبرالية للمعرفة، مُتقاطعاً مع التَّصور الاصلي المُحافظ النيتشوي: “ما يهمنا اساساً هو معرفة الكيفية التي تسمى بها الأشياء لا معرفة ماهيتها”، ومقترباً من تصورات مارتن هايدغر للغة بوصفها المجال الحيوي وأداة التعبير (ايا كان نوعها)، الذي تنكشف فيه الكينونة والماهية والتَّعبير عن المكانة والحضور.
يمكن فهم لغة البريكان، عبر كيفية تموضع المُفردة داخل نصوصه. بوضوح؛ لا تظهر المُفردة بوصفها علامة عائمة أو عنصراً إيقاعياً هائماً او حشواً مُكملاً لفكرة مُتعثرة تتشكل بصعوبة، بل ككثافة وجودية تُجسِّد الشَّيء حسياً وتضعه في حالة حضور مشهدي. إنها أصل “اللغة المُجسَّمة” لديه، بما يمنح “المُباشر” ايضاً بعداً كثيفاً يُغني ويقود الى اعماق النَّص. اشتغل البريكان طويلاً وبصبر مُرهق على التَّفكير في المُفردة. التَّفكير في كيفية اختيار وانتاج المُفردة. التَّفكير في لحظة المُفردة ومُستقبلها، كيف لها إن تُحيي وتُميت الجُملة الشِّعرية او النَّص بأكمله. بوابته الى هذا كُله؛ هو التَّفكير في فهم المُفردة، بأن لا تُعزل اللُّغة عن نفسها وحيويتها. تفكيرٌ وفهمٌ عبَّر عنه بول ريكور بأنَّه “فهم” لا ينفصل عن المعنى المُعاش/ اللحظوي داخل النَّص أو الخطاب.
عبر التَّحليل المتأني لنصوصه، تتجاوز المُفردة التقنية غير المنضبطة والشَّائعة لدى آخرين، تقنية الاستعارات الفائضة، فهو لا يُجسِّم المعنى/ الأشياء/ الكائنات/ الامكنة/ الازمنة/ الحوادث عبر التَّكديس البلاغي. البريكان يستثمر مفردته ويموضعها، عبر ضبط لغته في تراكيب مُقتصدة، محكومة بتوازن جُملي صارم، بما يجعل المشهدية الشِّعرية وكأنها تُرى/ تتحرك/ تُجسَّم/ تتنفس/ أكثر مما تُفسر. المفردات على بساطتها الظاهرية لا تعمل كوسائط تعبيرية، بل كأجسام لغوية مُحملة بثقل التَّجربة، تنطلق من جذرها الاصلي (اللغة)، وتنفتح على طاقة حسية فعالة (المعنى). وبناءً على تموضعها السِّياقي والدَّلالي الجديد؛ حينها وباستمرار، ومع كل قراءة، تتحول إلى كائنات مشخَّصة تتفاعل مع عوالمها، حياةً ومشهديةً وصوراً.
مع ذلك، لا تُعامَل هذه اللغة بوصفها كياناً جامداً أو مُتعالياً؛ بل أداة العمل الفني ذاته: جسداً و حاضنة، تُعلن الفكرة ومخفياتها، دون أن تتحول الى وجهةٍ نائيةٍ تُعطل فاعلية النَّص عبر الزَّمن أو تُقيد استمرارية تلقيه. بهذا، ينجح نص البريكان، بناءً على حداثته الوظيفية، بتجاوز التَّصنيف التاريخي ومفردات زمن الكتابة، لأن اللُّغة نفسها تخضع لتحوّل دائم، لفهم متنوع، لقراءة مُتجددة تنبع من وعي تاريخي، يتداخل فيه زمن الكتابة مع زمن التَّلقي.
إذْ إنَّ البريكان، كما هو بائن من مراجعة وتحليل اغلب نصوصه النَّثرية، سعى بوعي ومعرفة حادة الى تحرير لغته من تاريخانيتها (لحظة الكتابة)، او قتل سكونيتها عبر الزَّمن (لحظة التَّلقي). حرر لغته باتجاه إن تكون لغة حيوية بالمعنى الديناميكي: قادرة على التَّجدد، وتتجاوز الآن الى المستقبل. غير خاضعة لأشكال الإعاقة الجمالية أو الأرشفة الزَّمنية، بما يُذكّر بفكرة فالتر بنيامين حول راهنية الأثر واستمرارية حضوره. نصوص البريكان لا تنتمي الى زمن لغوي مُغلق؛ إذ إنَّ لغتها، رغم محافظتها الشَّكلية، تنفلت من تاريخانيتها، عبر قدرتها على استعادة المعنى في كل قراءة، بوصفها لغة لا تؤرشف الحدث، بل تُبقيه في حالة راهنية وانسانية مُتجددة.
تتأسس لغة البريكان كنظام مُركب حذر. تَتشَّكل بُنيته الصُلبة على قوة التَّماسك الجُملي، التَّوازن اللَّفظي، الوعي الدَّقيق بأبعاد كل مُفردةٍ داخل السِّياق، وما يُمكن إن تَستقبله وتَستوعبه التأويلات خارجه.